Friday, September 21, 2007

بداياتي المتأسلمة... (1)

كنت قد ولجت السلك الإعدادي من التعليم حين بدأت أكتشف الإسلام، طبعا أعني اكتشافه بنفسي بعد مرحلة إتباعه وتطبيقه بالفطرة. أتذكر خالتي وهي تحكي لنا في المنزل كيف أنها جلست في القطار أمام شاب في مقتبل العمر... لازلت أتذكر ذلك اليوم كما لو أنه البارحة، وكيف وجدت أن وجهه مشرق بشكل ملحوظ ترتسم وصمة الصلاة في جبهته وأنه ذو لحية خفيفة ناعمة... كانت تصفه لنا كما لو كان ملاكا مما جعلني أتعلق بشخصيته. خالتي بحكايتها تلك رسخت لدي مفهوما للأخلاق مرتبط أساسا بدرجة تدين كل واحد منا، فمن كان أكثر تطبيقا للإسلام كان أحسن خلقا والعكس صحيح.

في الفصل كنت أوظف هذه المعادلة كثيرا لانتقاء رفاق الدراسة خصوصا في سنتي الإعدادية الأولى إلا أن هذا الارتباط بدأ يخف شيئا فشيئا حتى كاد يختفي نهائيا مع إكمالي للعام الأول. في السنتين الثانية والأخيرة من السلك الإعدادي كنت أكثر انفتاحا على الأخر مهما كانت درجة التزامه بالدين وبالتالي الأخلاق. فكان صديقي الأول أكبر مني بسنتين يتعثر في الانتقال كلما مر بمستوى بالإعدادي، كنت أنا وربيع بالإضافة الى ثلاث بنات نشكل مجموعة المرح والهرج في الفصل فإذا قرر أحدنا مقاطعة حصة ما (كانت في الغالب مادتي اللغة العربية والاجتماعيات) تتضامن الشلة معه فنمضي وقتنا نتسكع أو نلعب البلياردو في أحد قاعات الألعاب وبعض الأحيان تقليد الكبار في التدخين وأشياء أخرى...

كل شيئ كان ومرحا الى أن أخبرني ربيع ذات صباح في الاستراحة الصباحية الاولى أنه ذاهب الى مسجد الاعدادية لأداء نافلة الضحى ! كيف يعقل ربيع المراهق ال"كوووول" في الفصل يصلي ! ويؤدي النوافل الصباحية أيضا !

قرار ربيع أعاد الهاجس الديني أمامي، وبحكم تقربي منه تأثرت بشكل أسرع... صحيح أنني حافظت في السنتين الثانية والثالثة على مستواي الدراسي الحسن ولم يتأثر كثيرا ب"شلة المرح" إلا أنني مررت بسرعة إلى مرحلة تأنيب الضمير وبالتالي إتباع ربيع فيما اهتدي إليه فتحولنا من أشهر التلاميذ في المؤسسة إلى أعزلهم وأكثرهم حضورا في المسجد.

بعد مرحلة الانتقال والدخول مرة أخرى في الدين أصبحنا دعاة ندعو زملاءنا ونتفاخر فيما بيننا بعدد النوافل المؤداة ومدى حضورنا لصلاة الجماعة في المسجد... عرفني ربيع فيما بعد على صاحب الفضل في هدايته وهو شاب مجازفي الأدب الفرنسي وينشط في إحدى جمعيات الحي الثقافية، ازداد تقربي من هذه الجمعية حتى أصبحت من أعضاءها الأكثر نشاطا... ذات يوم دعاني صديق ربيع إلى حضور "رباط"... لم أفهم الكلمة آنذاك ففسرها لي بأنها تجمع يدوم أربعة أيام نتدارس فيه القرآن والحديث فيه الأجر والثواب، كوني قاصر كنت أحتاج لموافقة الوالدين للغياب كل هذه المدة... رفضا في البدء لكن الطابع الديني للرباط سهل المهمة لي وجعلهم يوافقون في نهاية الأمر.
تقرر عقد الرباط في منزل قريب من الحي، ذهبت اليه رفقة ربيع وصديقه وجلسنا ننتظر حتى يكتمل الحضور لنبدأ رباطنا المبارك ! حين اكتمل عدد الحاضرين وكانوا عشرة تقريبا أولى ملاحظتي كانت أساسا حول أنني لست القاصر الوحيد هناك حيث يوجد ثلاثة أشخاص في سني تقريبا كما أن كل المرابطين لم يسبق لي مشاهدتهم في الجمعية الثقافية... صديق ربيع عميل لهم في الجمعية يستقطب الشباب المتحمس إذا ! طبعا هذه الفكرة لم تتولد عندي في تلك اللحظة الإيمانية فكل ما كان يهمني هو التزود بأقصى كم من الحسنات.

بدأ الرباط بتقديم الأمير وهو الشخص الذي سيسهر على سير تجمعنا منذ تلك اللحظة حتى تفرقنا في نهاية الرباط، أخرج لوحة خشبية ودون عليها برنامجنا من مواعظ وجلسات ذكر ومحاضرات بالفيديو وإقامة للليل وما إلى ذلك... أهم اللحظات التي صدمتني في ذلك الرباط هي أن المواعظ التي كان من المفترض أنها دينية تحولت الى خطابات سياسية ! لازلت أتذكر أمير الرباط كيف ينتقد المنهاج التعليمي الذي وصفه بالغربي والمنافي للعقيدة وكيف أن صعود الاشتراكيين للحكومة يندرج ضمن خطة غربية لعلمنة البلاد... كما أتذكر حين كان يعد جهاز الفيديو لوضع شريط مسجل لأحد مشايخهم فضغط بالخطأ على جهاز التحكم فظهرت القناة الثانية الوطنية وبها مقدمة نشرة الأخبار فعلق الأمير قائلا: هل رأيتم كيف تملأ المتبرجات تلفزيون دولة من المفترض أنها مسلمة...
كان ذلك الرباط بمثابة الصدمة حيث اكتشفت لأول مرة أنني أعيش في مجتمع كافر وفاسد ومطلوب مني التدخل لإخراجه من براثن الظلم والفساد !



كانت أولى جلسات غسيل المخ التي تعرضت إليها وأنا لم أكمل بعد سنواتي الثماني عشرة !

2 comments:

يعقووبوو said...

نريد التكمله
مع تفاصيل اكثر (:

mahéva said...

ما زلت أنتظر الجزء الثاني